الشيخ محمد رشيد رضا

171

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

« الخامس تناقضهم في نفس القياس كما تقدم أيضا ، ونحن نعقد ههنا ثلاثة فصول الفصل الأول في بيان شمول النصوص للاحكام والاكتفاء بها عن الرأي والقياس « الفصل الثاني في سقوط الرأي والاجتهاد والقياس وبطلانها مع وجود النص « الفصل الثالث في بيان ( أن ) احكام الشرع كلها على وفق القياس الصحيح وليس فيما جاء به الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حكم يخالف الميزان والقياس الصحيح . وهذه الفصول الثلاثة من أهم فصول الكتاب ، وبها يتبين للعالم المنصف مقدار الشريعة وجلالتها وهنيهتها « 1 » وسعتها وفضلها وشرفها على جميع الشرائع ، وان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كما هو عام الرسالة إلى كل مكلف فرسالته عامة في كل شيء من الدين أصوله وفروعه ودقيقه وجليله ، فكما لا يخرج أحد عن رسالته فكذلك لا يخرج حكم تحتاج اليه الأمة عنها وعن بيانه له ، ونحن نعلم انا لا نوفي هذه الفصول حقها ولا نقارب وانها أجل من علومنا وفوق ادراكنا ، ولكن ننبه أدنى تنبيه ونشير أدنى إشارة إلى ما نفتح أبوابها « 2 » وننهج طرقها واللّه المستعان وعليه التكلان » اه أقول : اننا لم نجد في الكتاب الا فصلين من هذه الثلاثة التي وعد بها ، الأول في شمول النصوص وإغنائها عن القياس ، والثاني في بيان ان أحكام الشرع كلها على وفق القياس الصحيح والميزان المستقيم والموافقة لعقول البشر ومصالحهم . ولا ندري أسقط الفصل الذي بين فيه سقوط الرأي والاجتهاد والقياس مع وجود النص ؟ أم اغفل كتابته بعد الوعد به نسيانا للوعد واكتفاء باتفاق العلماء على المسألة ، وكون من يعتد بدينه وعلمه من أهل الرأي والقياس كربيعة وأبي حنيفة والشافعي لم يثبتوا حكما في مسألة فيها نص بالقياس الا إذا كانوا غير عالمين بالنص أو غير ثابت عندهم ، أو لم يفهموا الحكم منه . شمول النصوص للاحكام وتفاوت الافهام فيها وقد صدّر الفصل الأول بمقدمة نفيسة في نوعي الدلالة وتفاوت الافهام في

--> ( 1 ) لعل الأصل هيمنتها . فالهنيهة والهنية الشيء اليسير ولا معنى له هنا . والهيمنة حفظ الشيء والرقابة عليه والقيام به ( راجع تفسير « مهيمنا » في ( ص 410 ج 6 تفسير ) ( 2 ) لعل الأصل : نفتح به أبوابها .